فخر الدين الرازي
583
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
آيات الوعد معارضة لآيات الوعيد في الآخرة فهي معارضة لآيات الوعيد والنكال في الدنيا ، فلم كان ترجيح آيات وعيد الدنيا على آيات وعيد الآخرة أولى من العكس . الثالث : أنا أجمعنا على أن السارق وإن تاب إلا أنه تقطع يده لا نكالًا ولكن امتحاناً ، فثبت أن قوله : جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا [ المائدة : 38 ] مشروط بعدم التوبة ، فلم لا يجوز أيضاً أن يكون مشروطاً بعدم العفو . والرابع : أن الجزاء ما يجزي ويكفي وإذا كان كافياً وجب أن لا يجوز العقاب في الآخرة وإلا قدح ذلك في كونه مجزياً وكافياً ، فثبت أن هذا ينافي العذاب في الآخرة ، وإذا ثبت فساد قولهم في ترجيح جانب الوعيد فنقول : الآيتان الدالتان على الوعد والوعيد موجودتان فلا بد من التوفيق بينهما ، فأما أن يقال : العبد يصل إليه الثواب ثم ينقل إلى دار العقاب وهو قول باطل بإجماع الأمة ، أو يقال : العبد يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب . أما الترجيح الثاني فهو ضعيف لأن قوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ * لا يتناول الكفر وقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ * [ النساء : 14 ] [ الأحزاب : 36 ] يتناول الكل فكان قولنا هو الخاص واللّه أعلم . الحجة السادسة : أنا قد دللنا على أن تأثير شفاعة محمد صلى اللّه عليه وسلم في إسقاط العقاب وذلك يدل على مذهبنا في هذه المسألة . الحجة السابعة : قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [ الزمر : 53 ] وهو نص في المسألة . فإن قيل : هذه الآية إن دلت فإنما تدل على القطع بالمغفرة لكل العصاة ، وأنتم لا تقولون بهذا المذهب ، فما تدل الآية عليه لا تقولون به وما تقولون به لا تدل الآية عليه ؟ سلمنا ذلك ، لكن المراد بها أنه تعالى يغفر جميع الذنوب مع التوبة وحمل الآية على هذا المحمل أولى لوجهين : أحدهما : أنا إذا حملناها على هذا الوجه فقد حملناها على جميع الذنوب من غير تخصيص ، الثاني : أنه تعالى ذكر عقيب هذه الآية قوله تعالى : وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ [ الزمر : 54 ] والإنابة هي التوبة . فدل على أن التوبة شرط فيه ، والجواب عن الأول . أن قوله : يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً وعد منه بأنه تعالى سيسقطها في المستقبل ، ونحن نقطع بأنه سيفعل في المستقبل ذلك ، فإنا نقطع بأنه تعالى سيخرج المؤمنين من النار لا محالة ، فيكون هذا قطعاً بالغفران لا محالة ، وبهذا ثبت أنه لا حاجة في إجراء الآية على ظاهرها على قيد التوبة ، فهذا تمام الكلام في هذه المسألة وباللّه التوفيق . ولنرجع إلى تفسير الآية فنقول : إن المعتزلة فسروا كون الخطيئة محبطة بكونها كبيرة محبطة لثواب فاعلها ، والاعتراض عليه / من وجوه ، الأول : أنه كما أن من شرط كون السيئة محيطة بالإنسان كونها كبيرة فكذلك شرط هذه الإحاطة عدم العفو ، لأنه لو تحقق العفو لما تحققت إحاطة السيئة بالإنسان ، فإذن لا يثبت كون السيئة محيطة بالإنسان إلا إذا ثبت عدم العفو ، وهذا أول المسألة ويتوقف الاستدلال بهذه الآية على ثبوت المطلوب وهو باطل . الثاني : أنا لا نفسر إحاطة الخطيئة بكونها كبيرة ، بل نفسرها بأن يكون ظاهره وباطنه موصوفاً بالمعصية ، وذلك إنما يتحقق في حق الكافر الذي يكون عاصياً للّه بقلبه ولسانه وجوارحه ، فأما المسلم الذي يكون مطيعاً للّه بقلبه ولسانه ويكون عاصياً للّه تعالى ببعض أعضائه دون البعض فههنا لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد ، ولا شك أن تفسير الإحاطة بما ذكرناه أولى ، لأن الجسم إذا مس بعض أجزاء جسم آخر دون بعض لا يقال : إنه محيط به ، وعند هذا يظهر أنه لا تتحقق إحاطة الخطيئة بالعبد إلا إذا كان كافراً . إذا ثبت هذا فنقول قوله : فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ يقتضي أن أصحاب النار ليسوا إلا هم وذلك